❗الكاتب والمحلل السياسي يحيى دايخ❗ ❗️sadawilaya❗
20 نيسان 2025
عندما تتداخل لغة التهديد النووي مع فوضى المضائق، وتنكسر هيبة الجيوش على صخور الإرادة المحلية، لا تعود المفاوضات مجرد طاولة حوار، بل ساحة تصفية حسابات وجودية.
فما يجري بين إيران وأمريكا اليوم ليس نزاعاً على منشأة نووية أو عقوبات، بل هو حرب مصيرية بوسائل مموهة:
طرف خرج من جولة الميدان رابحاً بصمود محور المقاومة في إيران ولبنان وإفشاله كل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية، وطرف آخر يحاول إنقاذ ما تبقى من هيبته بقواعد عسكرية مرتجفة ومهترئة وخيارات برية مستحيلة.
بين هذا وذاك، تقف منطقتان مائيتان هما هرمز وباب المندب، قادرتان على قلب موازين القوة العالمية وتحويل أي عدوان جديد إلى انتحار اقتصادي أمريكي وعالمي بامتياز.
هذا التحليل يقرأ الشروط، ويوزن الإنجازات والإخفاقات، ثم يرسم خريطة الغد:
هل هو تنازل مذل أم حرب لا تُحمد عقباها؟
المحور الأول:
الشروط الأمريكية مقابل الشروط الإيرانية – تناقض جوهري لا يقبل الجسر.
- تطالب أمريكا بتجميد طويل الأمد للبرنامج النووي الإيراني (20 عاماً)، وتسليم كامل لليورانيوم المخصب، وتفكيك منشآت نطنز وفردو، مع رفض الاعتراف بحق إيران في التخصيب ولو للأغراض السلمية.
- في المقابل، تطلب إيران رفعاً كاملاً وغير مشروط لكافة العقوبات، والاعتراف بحقها في إمتلاك البرنامج النووي السلمي والتخصيب، والإفراج عن الأصول المجمدة، ورفع العقوبات، وانسحاب القوات الأمريكية من المنطقة بالكامل، ورفضاً قاطعاً للاعتراف بإسرائيل.
- النتيجة المنطقية: لا توجد نقطة التقاء واحدة بين الطرفين. أمريكا تريد إيران منزوعة العلم النووي والتأثير السياسي، وإيران تريد أمريكا خارج المنطقة وعقوباتها معدومة.
هذا ليس خلافاً تقنياً، بل صراع وجودي على الهوية والنفوذ.
المحور الثاني: ماذا حدث في الميدان؟ (الإنجازات والإخفاقات التي غيرت المعادلة).
أولاً: إنجازات المقاومة في لبنان:
· إفشال جميع الأهداف الإسرائيلية المعلنة:
- لم يُدفع حزب الله شمال الليطاني، ولم تُدمر قدراته الصاروخية أو القيادية.
- فرض معادلة المنع: كل تقدم إسرائيلي بري قوبل بخسائر كبيرة مؤكدة في العديد والعتاد، مما اضطر جيش الاحتلال للانسحاب من اتجاهات هجومه عدة مرات، لم يصل إلى نهر الليطاني، لم يتمكن من الإستقرار وتثبيت في أي موقع.
- كسر الردع الإسرائيلي: لأول مرة، تُجبر إسرائيل على وقف إطلاق نار بشروط غير معلنة تراعي واقع الميدان، وليس بناءً على تفوقها العسكري.
- ربط الجبهات بنجاح: العدوان على لبنان يعني فتح جبهات في اليمن والعراق وسوريا، مما فاقم تكلفة الحرب على العدو.
ثانياً: إنجازات الجمهورية الإسلامية الإيرانية:
- البقاء وليس الانهيار: خرجت إيران من الحرب دون انهيار داخلي، دون تغيير نظامها، إتحاد شعبها مع الدولة، لم تُسلب وتُقف البرنامج النووي السلمي، لم تسلم اليورانيوم المخصب، لم تحد من انتاج ومديات الصواريخ البالستية، لم يتفكك محور المقاومة، وهذا في العمق "انتصار البقاء" الذي يتحول إلى انتصار معنوي وسياسي إستراتيجي.
ثالثاً: إخفاقات أمريكا وإسرائيل في إيران ولبنان.
أ. أمريكياً في إيران:
- فشل استراتيجية "الضغوط القصوى": العقوبات لم توقف البرنامج النووي، والتهديد العسكري لم يرهب القيادة.
- فشل مشروع تغيير النظام: كل محاولات إشعال الفتنة الداخلية في إيران فشلت في تحقيق أي تغيير.
- انهيار هيبة الجيش الأمريكي.
- تآكل القطبية الأحادية.
ب. إسرائيلياً في لبنان:
- إنكسار هيبة الجيش الإسرائيلي، (صورة تدمير الدبابات، وشهادات جنود العدو الإسرائيلي المرعوبين).
- صمود تصدي مقاتلي المقاومة البطولي للاحتلال.
- منع العدو من تحقيق أهدافه التكتيكية والاستراتيجية.
- ابتكارات ميدانية حدت من التفوق التكنولوجي للعدو.
- الإمساك بزمام المبادرة بإستمرار، مع توجيه الضربات المؤلمة للعدو.
- تحقيق القيادة والسيطرة الميدانية.
- الاعتراف الضمني من نخب العدو السياسية والاعلامية والمجالس المحلية ومن مستوطنيه بالفشل.
وغيرها الكثير من الإنجازات التي ستظل علامة فارقة في الوعي الإقليمي.
بالتالي الحشودات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية المتكررة في المنطقة ليست علامة قوة، بل علامة خوف من انهيار الردع التقليدي.
المحور الثالث: لماذا لن تتنازل إيران (حتى لو طالت المفاوضات)؟
- لأن التنازل يعني خسارة ما ربحته في الميدان.
- إيران تنظر إلى المفاوضات كاستمرار للحرب بوسائل أخرى، وليس كاستسلام.
- العقوبات فشلت في كسرها، والحرب فشلت في إخضاعها، وأمريكا وإسرائيل خرجتا من الجولة الأخيرة خاسرتين ميدانياً ومعنوياً.
- الورقة الرابحة اليوم ليست صواريخ توماهوك، بل مضيقا باب المندب (بيد أنصار الله) ومضيق هرمز (بيد إيران).
- إغلاقهما يعني شل حركة الملاحة العالمية، وارتفاع النفط إلى مستويات غير مسبوقة (قد تتجاوز 200 دولار للبرميل)، وركوداً إقتصادياً عالمياً تكون أمريكا أولى ضحاياه.
- أمريكا تعاني أصلاً من أزمة اقتصادية داخلية خانقة (تضخم، دين قياسي، احتجاجات)، وأي حرب جديدة ستكون انتحاراً شعبياً للرئيس الحالي قبل الانتخابات.
- نتنياهو نفسه أسير المستوطنين: أي اتفاق لوقف الحرب على لبنان يعني انهيار حكومته وسقوطه سياسياً، لذلك قد يفشل أي اتفاق لمجرد البقاء في الحكم، لكنه أيضاً غير قادر على شن حرب جديدة والجيش مرهق والاقتصاد منهك.
المحور الرابع: إلى أين تتجه الأحداث؟
أولاً: التحليل العقلاني المبني على نتائج ومنجزات الميدان في إيران ولبنان.
أ. "التنازل المذل"
- المرجح بقوة هو "التنازل المذل" للأمريكي والإسرائيلي، وليس تجدد العدوان.
- هذا التنازل لن يكون معلناً بالكامل، بل تدريجياً ومغطى بغطاء دبلوماسي، لكن جوهره هو الاعتراف بفشل الخيار العسكري وقبول واقع إقليمي جديد.
ب. لماذا تنازل مذل وليس حرباً جديدة؟
- أمريكا لا تستطيع تحمل حرب جديدة: أزمة داخلية، انتخابات نصفية، اقتصاد منهار، وعالم متعدد الأقطاب يمنعها من حشد تحالف دولي (غالبية أوروبا، وكندا والسواد الدولي الغربي الاعظم ضد حربها على ايران).
- إسرائيل وصلت إلى نقطة الإشباع العسكري: جيش مرهق، اقتصاد منهك، ورغبة شعبية منعدمة في حرب طويلة على جبهتين، جبهة داخلية محبطة من وعود زائفة وحرب دون نتائج.
- ورقة المضائق تغير قواعد اللعبة: أي عدوان جديد يعني انهياراً اقتصادياً عالمياً، وأمريكا ستكون أول الضحايا.
ت. كيف سيكون شكل هذا التنازل المذل عملياً؟
- تفاهمات غير معلنة (حفظ ماء الوجه) تقبل فيها أمريكا وإسرائيل بـ "تجميد" التصعيد دون تحقيق مكاسب.
- انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من قواعد متقدمة في المنطقة (الخليج، العراق، سوريا والأردن) بحجة "إعادة الانتشار".
- صمت دولي عن البرنامج النووي الإيراني، والاكتفاء بمراقبته دون محاولة وقفه بالقوة.
- رفع غير مباشر لعقوبات عبر قنوات إنسانية واقتصادية، مع إبقاء العقوبات الشكلية للحفاظ على ماء الوجه (احتمال ضعيف لصلابة الموقف الايراني).
ثانياً: توقعات مبنية على شخصيتي نتنياهو ودونلد ترامب النرجسيتين وجنون العظمة.
الاستثناءات التي قد تؤدي إلى تجدد العدوان:
1. إذا شعر نتنياهو بأنه سيسقط سياسياً حتماً، وانه سيحاسب قانونياً بالتهم الموجهة اليه، فقد يحاول جر أمريكا إلى حرب محدودة كـ "ورطة أخيرة" لإنقاذ نفسه.
لكن حتى في هذه الحالة، أمريكا سترفض الدخول البري، والحرب ستنتهي بفوضى اقتصادية تعيد الأطراف إلى المفاوضات من موقع أسوأ لأمريكا وإسرائيل.
2. جنون العظمة لدى ترامب وحلمه الإمبراطوري ك (فرعون العصر)، يمكن أن يقوده إلى المزيد من التقديرات الخاطئة والتي ستنهي ما تبقى من نفوذ وقوة الكيان الأمريكي.
الخلاصة الاستراتيجية:
- إيران والمقاومة خرجت من الجولة الأخيرة رابحة (صمود، منع أهداف الخصم، فرض معادلات جديدة، امتلاك ورقة المضائق).
- أمريكا وإسرائيل خرجتا خاسرتين (إخفاق عسكري، انهيار هيبة، اعتراف ضمني بالفشل، اقتصاد مهدد، ورأي عام دولي ضدهما).
- المرجح في المرحلة القادمة أنه لن تشهد حرباً شاملة، بل انسحاباً أمريكياً إسرائيلياً تدريجياً ومذلاً من المواجهة المباشرة، والانتقال إلى مرحلة جديدة تتقبل فيها واشنطن وتل أبيب واقعاً إقليمياً لا يسيطران عليه بالكامل، وتكون فيه إيران لاعباً أساسياً لا يمكن تجاوزه، والمقاومة اللبنانية قوة ردع لا يمكن كسرها.
فالتاريخ لن يسجل أن إيران والمقاومة هُزمتا، بل سيسجل أن أمريكا وإسرائيل اضطرتا للتفاوض من تحت طاولة الانكسار.